تطهير الجنان والأركان عن أدران الشرك والكفران


الفقه في الدين

عقيدة أهل السنة والجماعة



أحمد بن حجر آل بو طامي آل ابن علي قاضي المحكمة الشرعية بقطر

بسم الله الرحمن الرحيم


خطبة الكتاب

الحمد لله الذي أمرنا بالعبادة : بطاعته وطاعة رسوله ، ووعدنا بالحسنى مع الزيادة . والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، البالغ منتهى الشرف والسيادة ، وعلى آله وأصحابه الذين منحهم الله العزة والسعادة .

أما بعد :
فقد حورب الإسلام منذ أن بزغ فجره بمختلف الأسلحة . ومن أشدها فتكا ، وأخبثها مكرا ، وأكثرها رواجا : دعاية المخرفين والقبوريين والصوفية المبطلين الذين لم يدخروا وسعا في نشر البدع والضلالات باسم الدين ، والدين منها بريء . كما دعوا إلى عبادة القبور وحسنوها للجماهير بشتى الأساليب ، من بناء القباب والأضرحة عليها وتزويقها ، ووضع الستور النفيسة عليها ، وجعلوا السدنة حولها ليطوفوا بالزائرين حول الضرائح ، ويعلموهم كيف يدعون الأولياء ، وينزلون بهم حاجاتهم ، بدلا من اللجوء إلى ” – ص 8 -” الحي الذي لا يموت ، ومن بيده ملكوت كل شيء . واخترعوا حكايات وكرامات مختلفة لا تمت إلى الصحة بسبب ، وأنشدوا قصائد تطفح بالاستغاثات والنداءات التي لا تصلح إلا لخالق الأرض والسماوات .
وألفوا كتبا تدعو إلى عبادة الأنبياء والصالحين ، سبكت في قالب حب الأنبياء والأولياء ، وأنهم هم الشفعاء لنا عند الله ، والواسطة بيننا وبينه تعالى . وعززوا أباطيلهم بأحاديث موضوعة ، وبأقيسة فاسدة ، وبما لا يدل على مطلبهم من آية أو حديث صحيح كما سترى في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى .
وعم هذا الداء الوبيل سائر الأقطار الإسلامية ، ولم يسلم منه إلا القليل من عباد الله الصالحين والعلماء العاملين الذين عرفوا التوحيد الذي جاء به الأنبياء والمرسلون . وصانوه من كل شبهة وبدعة ، وقد حفظ الله تعالى الأقطار الإسلامية في جزيرة العرب من أوثان الأضرحة والمقامات والمشاهد والمزارات لتكون قدوة للمسلمين . وانتشرت دعاية الشيطان للوثنية الجديدة ، ونشط لها المبشرون بالضلال وعبادة غير ذي الجلال ؛ فانخدع بها أكثر المسلمين كما انخدع بها من قبلهم ، وانصرفوا عن توحيد الإله ” – ص 9 -” العظيم خالق الأنام ومدبر أمورهم ، وأخذوا يتقربون إلى قبور الأنبياء والصالحين ، وإلى الأشجار والغيران المنسوبة إليهم بأنواع النذور والدعوات لكشف ضر نزل بهم ، أو طلب حاجة لهم ، مما ليس في قدرة أحد إلا رب العالمين ، وطافوا بالأوثان الجديدة والقديمة كما يطاف بالكعبة المعظمة ، وشدوا الرحال من الأماكن الشاسعة بقصد الحج لتلك المزارات البدعية ، وأوقفوا الأموال الطائلة على تلك العتبات المقدسة عندهم حتى لتجتمع في خزائن بعض المقبورين أموال طائلة يتقاسمها القائمون عليها ، ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم ؛ لقد قال :

أحياؤنـــــا لا يرزقــــون بــــدرهم وبــــألف ألـــف تـــرزق الأمـــوات
مـن لـي بحـظ النـائمين بحـفرة قــامت علــى أعتابهـا الصلـوات
يسـعى الأنام لها ويجري حولها بحــــر النــــذور وتقــــرأ الآيــــات
ويقال هذا الباب باب المصطفى ووســيلة تقضــى بهـا الحاجـات

” – ص 10 -” وإنك لتجد الزحام حول تلك القبور واختلاط الرجال بالنساء ، وبكاء الكثيرين وصراخهم وعويلهم ودوي أدعيتهم .
كما تجد كثيرا من مدعي العلم ومروجي الضلال يحسنون لهم تلك الأعمال ويحضونهم على تلك المنكرات يبتغون بذلك عرض الحياة الدنيا . وقد أتى العوام هذه الشركيات والبدع والضلالات ، باعتقاد أنها من صميم الدين ، وأنها تقربهم إلى رب العالمين ، لكونهم مخدوعين بدعايات أدعياء العلم ورؤساء الضلال ، وسدنة الضرائح . والويل كل الويل لمن أنكر عليهم وبين لهم أن هذه الأعمال ليست من الدين بشيء ، بل تنافيه ، والدين منها بريء ، وأن الواجب عليهم أن يفردوا ربهم بهذه العبادات التي يتقربون بها إلى هؤلاء الأموات ، الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا حياة ولا موتا ولا نشورا فضلا عن أن يملكوا ذلك لغيرهم .
فالعلماء إزاء هذه البدع والشركيات أصناف ثلاثة :
صنف يؤيد تلك البدع والخزعبلات ويدعو إليها ، وقد يكتب وينشر في تأييد مذهبه ، جهلا أو طلبا لمصلحة دنيوية .
” – ص 11 -” وصنف يعرف الحق ، وأن ما عليه جمهور الناس باطل وضلال ، لكنه يساير العامة وأشباههم ، خوفا أو طمعا .
وصنف ينكر ذلك ويدعو الناس إلى ترك تلك المحدثات ويرشدهم إلى التوحيد والتمسك بالسنة المطهرة ، وقليل ما هم .
وبالرغم من كثرة المؤلفات في هذا العصر ، وانتشار التعليم والثقافة وكثرة المتعلمين والدعاة ، فإن أكثرهم لم يهتموا بعلم التوحيد ، لا سيما توحيد الألوهية . لأن مقاومة النفس والشيطان لمنهج الحق أعظم منها لما دونه .
لهذا رأيت أن الحاجة ماسة إلى وضع رسالة في بيان أقسام التوحيد ، وبسط الكلام على توحيد الألوهية معززا بالأدلة من القرآن الكريم وأحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم الصحيحة أو الحسنة ودفع شبه المبتدعة ، لعل الله ينفع بها عباده ، وهذه هي دعوة الرسل سواء كثر المستجيبون أو قلوا .
ولكن كثرة الشواغل لم تقو العزم حتى زارنا الشيخ عبد الحميد البكري السيلاني ، الداعي لتوحيد الله وإفراده بالعبادة ، والتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، والمحارب للبدع ” – ص 12 -” والمحدثات ، والزيادة في دين الإسلام .
وقد ذكر لنا الأخ المذكور أنه يلاقي كثيرا من العناء في “سيلان” من الذين يدعوهم إلى نبذ الخرافات والبدع ، وعبادة غير الله ، وطلب مني أن أمضي فيما عزمت عليه من تأليف هذه الرسالة ففعلت ، وقد ترجمها إلى اللغة المليبارية أخونا الفاضل محمد سليم ميران المليباري .
أسأل الله العظيم أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، وموجبا للفوز بجنات النعيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين .
أحمد بن حجر ” – ص 13 -” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد :
فقد قال الله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي لآمرهم أن يفردوني بالعبادة . وهذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من عهد نوح إلى عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

أقسام التوحيد

ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام : توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات .

1 – توحيد الربوبية :

وهو اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى خالق العباد ورازقهم ، محييهم ومميتهم ، مدبر أمورهم والمتصرف في أحوالهم . فهو ” – ص 14 -” إفراد الله بأفعاله كلها .
وهذا قد أقر به المشركون السالفون ، وجميع أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس .
ولم ينكر هذا التوحيد إلا الدهرية فيما سلف ، وبعض الملاحدة في زماننا .

الدليل على وحدانية الله في ربوبيته :

إذا رأيت إبرة ، أيقنت أن لها صانعا ، فكيف بهذا الكون العظيم الذي يبهر العقول ، ويحير الألباب ؟ هل وجد بلا موجد ، ونظم بلا منظم ، وكان كل ما فيه من نجوم وغيوم ، وبروق ورعود ، وقفار وبحار ، وليل ونهار ، وظلمات وأنوار ، وأشجار وأزهار ، وجن وإنس ، وملك وحيوان ، إلى أنواع لا يحصيها العد ، ولا يأتي عليها الحصر ، هل كان كل ذلك بلا خالق ؟
اللهم لا يقول هذا من كان عنده مسكة من عقل ، أو ذرة من فهم .
وبالجملة : فالبراهين على ربوبيته لا يأتي عليها العد ، وصدق الله ، إذ قال : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
” – ص 15 -” وقال : الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل
الدليل على إقرار المشركين بوحدانية الله في الربوبية :

وقال الله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وقال تعالى : قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون وقال تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم على أن الشرك يعني اتخاذ الشريك ، فمع إفرادهم الله بالربوبية إلا أنهم يجعلون معه شريكا في العبادة ، مع أنهم ما كانوا يساوون آلهتهم بالله في كل شيء ، بل في المحبة والتعظيم والخضوع والدعاء ، لا في الخلق والإيجاد والنفع والضر .
” – ص 16 -” توحيد الربوبية لا يدخل الإنسان في دين الإسلام :

من هذا تعلم أيها القارئ الكريم ، أن هذا التوحيد لا يدخل الإنسان في دين الإسلام ، ولا يعصم دمه وماله ، ولا ينجيه في الآخرة من النار ، إلا إذا أتى معه بتوحيد الألوهية .

2 – توحيد الألوهية :

وهو توحيد العبودية ، أي إفراد الله بالعبادة ، لأنه المستحق لأن يعبد لا سواه مهما سمت درجته وعلت منزلته .
وهو التوحيد الذي بعثت به الرسل إلى أممهم ، لأن الرسل – عليهم السلام- جاءوا مستدلين بتوحيد الربوبية الذي كانت أممهم تعتقده ، داعين إلى توحيد الألوهية ، كما أخبر الله عنهم في كتابه المجيد .
قال الله مخبرا عن نوح : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم
وقال الله مخبرا عن إبراهيم : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ” – ص 17 -” وقال عن هود : وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون
وقال عن صالح : وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره
وقال الله مخبرا عن موسى : قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين
وقال عن عيسى : إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
وأمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل الكتاب : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله
وقال الله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون
وبالجملة : فالرسل كلهم بعثوا بتوحيد الألوهية ودعوة القوم إلى إفراد الله بالعبادة ، واجتناب عبادة الطواغيت والأصنام .
كما قال الله . ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
” – ص 18 -” وستمر بنا آيات أخر من كتاب الله تنهى عن اتخاذ الوسطاء والشفعاء من الملائكة والنبيين والصالحين أولياء ومعبودين من دون الله .

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s